جراحة الغدة النخامية بالمنظار
تُصنف الغدة النخامية كأهم غدة في جسم الإنسان نظراً لدورها المحوري في تنظيم العمليات الحيوية وإفراز الهرمونات الأساسية. وعند إصابتها بالأورام، تصبح الدقة في التعامل معها أمراً مصيرياً. هنا برزت جراحة الغدة النخامية بالمنظار (Endoscopic Endonasal Surgery) كحل جذري وآمن، حيث استبدلت الطرق التقليدية التي كانت تتطلب فتح الجمجمة أو عمل شقوق تحت الشفة، بتقنية تعتمد كلياً على الممرات الطبيعية للجسم.المسار الجراحي: كيف أعاد المنظار تعريف الدقة؟تعتمد الجراحة المنظارية على تقنية "الوصول عبر الأنف"، حيث يقوم جراح الأعصاب بالتعاون مع جراح الأنف والأذن والحنجرة بإدخال منظار دقيق مزود بألياف ضوئية وكاميرا فائقة الجودة عبر فتحة الأنف وصولاً إلى الجيب الوتدي (Sphenoid Sinus).
هذا المسار يوفر للجراح زاوية رؤية بانورامية لا يمكن تحقيقها بالميكروسكوب الجراحي التقليدي، مما يتيح له:
رؤية الزوايا الصعبة: القدرة على رؤية خلف الورم وجوانبه بوضوح تام.
تجنب الأوعية الدموية: الابتعاد عن الشرايين السباتية المحيطة بمنطقة السرج التركي.
حماية العصب البصري: تقليل مخاطر الاحتكاك بالأعصاب البصرية التي تقع مباشرة فوق الغدة النخامية.
المزايا التقنية والسريرية للمريضلم تكن هذه الطفرة تقنية فحسب، بل انعكست بشكل مباشر على جودة حياة المريض وسرعة تعافيه:
الحفاظ على وظائف الغدة: بفضل التكبير العالي، يستطيع الجراح تمييز نسيج الغدة السليم من الورم، مما يقلل من فرص حدوث قصور هرموني دائم بعد العملية.
انعدام الندوب الظاهرة: تتم العملية بالكامل من الداخل، فلا توجد جروح في الوجه أو فروة الرأس، مما يحقق نتيجة تجميلية مثالية.
تقليل مدة الإقامة بالمستشفى: بفضل التدخل المحدود، غالباً ما يستطيع المريض المشي وتناول الطعام في نفس يوم العملية، والمغادرة خلال 48 ساعة.
انخفاض نسب حدوث تسرب السائل النخاعي: تسمح الأدوات المنظارية الحديثة بإغلاق قاعدة الجمجمة وترميمها بدقة فائقة بعد استئصال الورم.
الحالات المرشحة لجراحة المنظارتعتبر هذه التقنية هي "المعيار الذهبي" لعلاج عدة حالات، منها:
الأورام الحميدة المفرزة: مثل أورام هرمون الحليب (Prolactinoma) التي لا تستجيب للأدوية، أو أورام هرمون النمو.
الأورام الكبيرة غير المفرزة: التي تضغط على الأعصاب وتسبب صداعاً وفقداناً تدريجياً للمجال البصري.
أكياس قاع الجمجمة: مثل كيسات "راثكي" وغيرها من الآفات التي تظهر في منطقة الغدة النخامية.
مرحلة ما بعد الجراحة والنتائج المتوقعةتتميز فترة النقاهة بعد جراحة الغدة النخامية بالمنظار باليسر مقارنة بالجراحات المفتوحة. يخضع المريض لمراقبة دقيقة لمستويات الهرمونات وكميات السوائل في الجسم للتأكد من استقرار عمل الغدة. تظهر النتائج المرجوة عادةً بشكل فوري في حالات تحسن الإبصار، بينما تحتاج المستويات الهرمونية إلى بضعة أسابيع للانتظام التام.
بناءً على الدراسات الإحصائية الحديثة، تصل نسبة نجاح استئصال الأورام وتحسن الأعراض عبر المنظار إلى أكثر من 95% في المراكز المتخصصة، مما يجعلها الخيار الأول والأكثر أماناً لمرضى أورام قاع الجمجمة في العصر الحديث.